في سواحل المملكة العربية السعودية الممتدة على طول البحر الأحمر والخليج العربي، تواجه قوات خفر السواحل والمراقبة البحرية تحديًا يوميًا يتمثل في الضباب البحري الكثيف الذي يغطي المياه صباحًا ومساءً، خاصة في فصلي الشتاء والربيع. هذا الضباب، الذي يخفض مدى الرؤية إلى أمتار قليلة، يعيق بشكل خطير عمليات المراقبة البصرية التقليدية عبر المناظير والكاميرات العادية. فالضباب البحري لا يحجب فقط الأهداف الصغيرة كقوارب الصيد المخالفة أو زوارق التهريب، بل يخفي أيضًا السفن الكبيرة التي قد تشكل خطرًا على الملاحة، أو حتى الأجسام العائمة غير المرغوب فيها. يتذكر الضباط في محافظة جدة حادثة اصطدام قارب دورية بقارب صيد كان مختبئًا في سحابة ضباب، مما أدى إلى إصابات وتأخير في الاستجابة. هذا الواقع المزعج جعل الحاجة ملحة لنظام بصري قادر على اختراق هذا الحاجب الطبيعي، دون الاعتماد على موجات رادار قد تكتشفها جهات معادية أو تتأثر بالتداخل الإلكتروني.
هنا يأتي دور جهاز الرؤية عبر الوسائط البصرية، وهو نظام تصوير بصري متقدم يعمل بتقنية النبض الليزري القائم على المسافات المقفلة (التصوير بالبوابة الزمنية). يتكون الجهاز من ليزر نبضي عالي التردد، وكاميرا مزودة بمكثف صورة (MCP) ووحدة تحكم زمني فائق الدقة. هذه التقنية تمكن الجهاز من إرسال نبضة ليزر قصيرة جدًا، ثم فتح مصراع الكاميرا في اللحظة التي يعود فيها الضوء المنعكس من الهدف فقط، متجاهلاً تمامًا الضوء المنتشر الناتج عن جزيئات الضباب أمام الهدف. هذا يعني أن جهاز الرؤية عبر الوسائط البصرية يقوم بشكل فعال بإلغاء تأثير التشتت الخلفي (Backscatter) الذي يتسبب في عدم وضوح الصور العادية في الضباب. النتيجة هي صورة عالية التباين وواضحة، قادرة على كشف الأهداف البحرية عبر طبقات ضباب كثيفة تمتد لأكثر من كيلومتر، مع دقة تصوير تفوق بكثير ما تقدمه الكاميرات الحرارية أو الرادارية في مثل هذه الظروف. الجهاز يعمل في مجال الضوء المرئي والقريب من تحت الأحمر، مما يجعله متوافقًا مع أنظمة المراقبة القياسية دون الحاجة لتبريد خاص أو حماية من الإشعاعات.
في الممارسة العملية، قامت دوريات حرس الحدود البحرية في منطقة الخفجي بنشر جهاز الرؤية عبر الوسائط البصرية على أبراج المراقبة الساحلية المتنقلة. مع تشغيل النظام، يستطيع المشغل واختيار وضع الرؤية في الضباب عبر واجهة بسيطة، حيث يضبط معلمتا مدى التصوير – عادة بين 200 و1500 متر – وعرض البوابة الزمنية لتتناسب مع كثافة الضباب البحري. الجهاز متصل مباشرة بشاشة عرض داخل غرفة التحكم، ما يتيح للمراقب رؤية أهداف مثل زورق صيد صغير يبعد 800 متر في ضباب كثيف بدرجة نقاء تكاد تكون مثل الرؤية في يوم صافٍ. إحدى فوائد هذا النظام أنه سلبي في استهلاكه للطاقة ولا يصدر أي إشارات كهرومغناطيسية تكشف موقع الدورية، خلافًا للرادار. وفي اختبار ميداني، تمكنت وحدة مراقبة بحرية في محافظة القطيف من التعرف على لوحة أرقام قارب مشبوه في ضباب كثيف، مما ساعد على القبض عليه بتهمة الصيد غير القانوني.

ما يعزز فعالية جهاز الرؤية عبر الوسائط البصرية في البيئة البحرية هو قدرته على التكيف مع الظروف المتغيرة باستمرار. الضباب البحري ليس متجانسًا؛ إذ تختلف كثافته بين طبقاته، وقد يصاحبه رذاذ مالح أو أمطار خفيفة. النظام مزود بتحكم تلقائي في ضبط التوقيت الزمني للتخلص من التشتت المتغير، مما يسمح بالمراقبة المستمرة دون تدخل بشري كثيف. عمليات المسح الليلي، حيث يكون الضباب مصحوبًا بظلام دامس، تستفيد من قدرة الجهاز على العمل ككاميرا رؤية ليلية نشطة، مع فارق أنها لا تتأثر بوهج المصابيح البحرية الأمامية. في ميناء جدة الإسلامي، استخدمت إدارة الميناء هذا الجهاز لمراقبة حركة العبارات وناقلات البضائع في ضباب صباحي، مما قلل من حالات الانتظار والإلغاء بنسبة تزيد عن 30%. التطبيق المباشر هذا يثبت أن جهاز الرؤية عبر الوسائط البصرية ليس مجرد أداة تكنولوجية، بل حل عملي لمشكلة مزمنة تعوق السلامة والأمن في المجال البحري السعودي.