في الموانئ الساحلية الكبرى، يُشكّل الضباب الكثيف تحدياً يومياً يعيق عمليات المراقبة الأمنية والملاحية. حيث تنخفض الرؤية إلى بضعة أمتار، مما يجعل كاميرات المراقبة التقليدية غير قادرة على تمييز السفن القادمة أو حتى مراقبة تحركات الحاويات داخل الأرصفة. هذا الوضع يخلق فجوة أمنية خطيرة، إذ تتعطل أنظمة التعرف على الوجوه وقراءة اللوحات البحرية، وتزداد مخاطر التصادم بين القطع البحرية أثناء عمليات الإرساء. علاوة على ذلك، تتأخر فرق خفر السواحل في الاستجابة للحوادث الطارئة بسبب فقدان القدرة على الرؤية الواضحة، مما يعرض حياة العاملين وأمن المنشآت الحيوية للخطر. هذه المعضلة دفعت إدارات الموانئ إلى البحث عن حلول تقنية تتجاوز حدود الكاميرات الحرارية أو الرادار التي تتأثر بالرطوبة وكثافة الجزيئات المائية.
هنا يأتي دور جهاز الرؤية عبر الوسائط البصرية، وهو جهاز تصوير بصري متطور يعمل بتقنية البوابة الزمنية بالليزر (التصوير بالبوابة الزمنية). يتكون الجهاز من ليزر نبضي عالي التردد، وكاميرا بوابية معززة بالصور (تحوي معزز الصور MCP، وحدة الجهد العالي، ووحدة التوقيت)، بالإضافة إلى عدسة توسيع الشعاع وعدسة التصوير. يتميز هذا النظام بأنه نظام تصوير نشط، قادر على توفير تباين عالي في الصور مع مدى تشغيل بعيد ودقة فائقة، ومقاومة قوية للتداخلات. آلية عمله تعتمد على إرسال نبضات ليزر قصيرة جداً، ثم فتح بوابة استقبال الكاميرا في توقيت محدد بدقة لاستقبال الضوء المرتد فقط من الأهداف البعيدة، متجاهلاً تماماً تشتت الضوء الناتج عن جزيئات الضباب القريبة. بهذه الطريقة، يتم اختراق حاجز الضباب الكثيف فعلياً، مما يتيح رؤية واضحة للمشهد البحري حتى في ظروف الرؤية الصفرية. الأهم أن الجهاز يقتصر قدرته على اختراق الوسائط البصرية مثل الضباب والضبخان والأمطار والثلوج، ولا يمكنه تصوير ما وراء الجدران أو الأجسام الصلبة، مما يناسب تماماً بيئة الموانئ المفتوحة.
في التطبيق العملي، تم تركيب أجهزة المراقبة البصرية هذه على أبراج المراقبة الرئيسية في ميناء الملك عبد العزيز بالدمام، حيث تعمل على مدار الساعة. أثناء موجة ضباب كثيف استمرت 48 ساعة، نجحت هذه الأجهزة في تقديم صور حية عالية الجودة لأرصفة التفريغ والمراسي، مكّنت مشغلي غرفة التحكم من متابعة حركة الرافعات العملاقة وحاويات الشحن عن بعد. كما استخدمتها فرق الأمن البحري لتوجيه زوارق الدورية خلال عمليات التفتيش الليلية، دون الحاجة إلى إلغاء المهام. نظام التشغيل بسيط: يتم ضبط البعد البؤري يدوياً أو تلقائياً، ثم اختيار وضع "الرؤية في الضباب" الذي ينشط تقنية القياس الزمني. تظهر الصورة على شاشة عالية الدقة باللونين الرمادي والأخضر، مع إمكانية التكبير حتى 20 ضعفاً دون فقدان الوضوح.

بفضل هذه التقنية، تمكنت إدارة الميناء من تقليل وقت تعطل عمليات المراقبة بنسبة 95% خلال الظروف الجوية السيئة. كما أصبحت عمليات تسجيل دخول الناقلات العملاقة أكثر أماناً، حيث يظل مشغل المرسى قادراً على رؤية علامات الملاحة وأضواء السفن الأخرى بوضوح تام. في المستقبل، يجري التخطيط لربط هذه الأجهزة بأنظمة الذكاء الاصطناعي للتعرف الآلي على الأشكال البحرية، مما سيعزز قدرات الاستجابة الفورية لحالات الاختراق أو التسلل. باختصار، أثبت الجهاز أنه الحل الأمثل للحفاظ على استمرارية المراقبة في الموانئ مهما اشتد الضباب، مع الالتزام الكامل بحدود استخدامه في المجال البصري فقط، دون أي تجاوزات تقنية غير مصرح بها.