في الموانئ الكبرى التي تعمل على مدار الساعة، تواجه فرق الأمن والمراقبة مشكلة مزمنة تتمثل في الوهج الشديد الناتج عن أضواء الرصيف وأضواء السفن العملاقة والرافعات الكهربائية. هذا الوهج لا يؤدي فقط إلى إعاقة الرؤية الليلية للكاميرات التقليدية، بل يخلق بقعاً ضوئية قوية تجعل من المستحيل تمييز الأجسام الصغيرة أو الأشخاص المختبئين خلف الزجاج العاكس للمركبات أو كبائن الشحن. على سبيل المثال، عند محاولة تفتيش حاوية مبردة على رصيف الميناء ليلاً، تنعكس أضواء الإنارة القادمة من الجانبين على سطحها المعدني اللامع، مما يُعمي أجهزة المراقبة البصرية التقليدية ويجعل رصد أي نشاط مشبوه في العمق أمراً بالغ الصعوبة، خاصة في ظل وجود زجاج ملون أو مرايا جانبية على الشاحنات القريبة.
يعالج جهاز الرؤية عبر الوسائط البصرية هذه المشكلة بفضل تقنية تثبيط الوهج المدمجة، والتي تعتمد على مبدأ التصوير بالبوابة الزمنية الليزرية (Laser Range-Gated Imaging). يعمل الجهاز كماسح ضوئي نشط: يقوم ليزر نبضي عالي التردد بإرسال نبضات ضوئية قصيرة جداً نحو الهدف، بينما تُغلق كاميرا التصوير المعززة (المزودة بمكبر الصور الدقيق MCP) في نفس التوقيت تماماً لمنع أي ضوء محيط أو وهج خلفي من الوصول إلى المستشعر. بهذه الطريقة، لا يتأثر الجهاز بالضوء الساطع المنعكس من الأسطح القريبة أو أضواء الميناء المباشرة، بل يستقبل فقط الضوء العائد من الهدف نفسه بعد حساب المسافة بدقة. وهذه الميزة تسمح له بالتقاط صور عالية التباين لعناصر موجودة خلف الزجاج الأمامي للشاحنات أو نوافذ كبائن الجمارك، حتى في ظل وجود وهج قوي.
في التطبيق العملي، يمكن لفريق الأمن في ميناء جدة الإسلامي استخدام هذا الجهاز لفحص شاحنات الدخول دون الحاجة إلى إطفاء الأضواء المحيطة أو تغطية كشافات الرصيف. يقوم المشغل بتوجيه الجهاز نحو كابينة الشاحنة التي تعاني من انعكاسات أضواء الصوديوم الصفراء، ويضبط معامل تثبيط الوهج تلقائياً عبر وحدة التحكم. تظهر على الشاشة صورة واضحة لسائق الشاحنة ومقصورته الداخلية، وكأنه يجلس في وضح النهار، مع إخفاء كامل للبريق المحيط. هذه القدرة تختصر وقت التفتيش بنسبة تزيد عن 60%، وتقلل من الحاجة إلى إيقاف المركبات في مناطق مظلمة، مما يحافظ على انسيابية حركة المرور داخل الميناء دون التضحية بالأمن.

تتجلى فعالية تثبيط الوهج أيضاً عند مسح الحاويات الزجاجية أو نوافذ المخازن المبردة في الميناء. حيث يضبط الجهاز نافذة التوقيت الزمني (Time Gate) بحيث تتوافق مع عمق الهدف، فيتجاهل تماماً أي وميض عشوائي من أضواء الرصيف أو مصابيح السفن الراسية. هذا يسمح برصد أي مواد غير مصرح بها أو أشخاص مختبئين خلف الزجاج، حتى في ظل إضاءة خلفية قوية تصل إلى 20 ألف لوكس. وقد أثبتت الاختبارات الميدانية في ميناء الدمام أن الجهاز يحافظ على دقة التعرف بنسبة 95% عند التعامل مع وهج المصابيح الكاشفة المستخدمة في عمليات التحميل الليلي، مما يجعله أداة لا غنى عنها لتأمين المنافذ البحرية في المملكة دون الحاجة إلى تعديل بيئة الإضاءة المحيطة.